الحلبي
357
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
كانت تلك الغزاة في ربيع الأول : أي من السنة الرابعة . وقيل كانت قبل وقعة أحد ، قال : وبه قال البخاري . قال ابن كثير : والصواب إيرادها بعد أحدكما كما ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أئمة المغازي انتهى . أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم الناس بالتهيؤ لحرب بني النضير والسير إليهم . واختلف في سبب ذلك ؟ فمن جملة ما قيل : إنه ذهب إليهم ليسألهم كيف الدية فيهم ؟ أي لأنه كان بينهم وبين بني عامر قبيلة الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري عند رجوعه من بئر معونة غيلة حلف وعقد . وقيل ذهب إليهم ليستعين بهم في دية الرجلين المذكورين ، أي وكان صلى اللّه عليه وسلم أخذ العهد على اليهود أن يعاونوه في الديات . وقيل لأخذ دية الرجلين منهم ، لأن بني النضير كانوا حلفاء لقوم الرجلين المذكورين وهم بنو عامر ، كذا في الأصل فليتأمل . فإن فيه أخذ الدية من حلفاء المقتول وسار إليهم صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه : أي دون العشرة ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي اللّه تعالى عنهم ، فقالوا له : نعم يا أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك ، وكان صلى اللّه عليه وسلم جالسا إلى جنب جدار من بيوتهم ، فخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة ، فمن رجل يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فقال أحد ساداتهم : أنا لذلك أي وهو عمرو بن جحاش ، وقال لهم سلام بن مشكم : لا تفعلوا واللّه ليخبرن بما هممتم به ، إنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه ، فلما صعد ذلك الرجل ليلقي الصخرة أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي مظهرا أنه يقضي حاجته ، وترك أصحابه في مجالسهم ورجع مسرعا إلى المدينة ولم يعلم من كان معه من أصحابه ، فقاموا في طلبه صلى اللّه عليه وسلم لما استبطؤوه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه ، فقال : رأيته داخل المدينة ، فأقبل أصحابه حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما أرادت بنو النضير . وقد أشار إلى ذلك الإمام السبكي في تائيته بقوله : وجاء وحي بالذي أضمرت بنو الن * ضير وقد هموا بإلقاء صخرة أي وفي رواية لما رأوا قلة أصحابه صلى اللّه عليه وسلم قالوا نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة ، فنبيعهم من قريش . أي ولا مانع من وجود الأمرين . وقيل في السبب في خروجه صلى اللّه عليه وسلم إليهم أنهم أرسلوا إليه أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك ، وليخرج منا ثلاثون حبرا فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك ، فلما غدا عليهم في ثلاثين من أصحابه قال بعضهم لبعض : كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون كل يحب أنه يموت قبله ، فأرسلوه إليه أن أخرج في ثلاثة من أصحابك